فهرس الكتاب

الصفحة 6305 من 8321

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم ، وهو أنهم قالوا { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين ، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ } فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب ، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله: فاغفر لهم ، وبين قوله { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة ، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة ، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ } فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنّات عدن ، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك ، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلّت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله في النار ، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعدًا من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن ، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار . قال تعالى: { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ } يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث ، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريات ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في موضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل ، قال الفرّاء والزجاج { مِنْ صالح } نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله { وَأَدْخِلْهُمْ } وإن شئت في { وَعَدْتَّهُمْ } والمراد من قوله { وَمَنْ صَلَحَ } أهل الإيمان ، ثم قالوا: { إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه لو لم يكن عزيزًا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ، ولو لم يكن حكيمًا لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة ، ثم قالوا بعد ذلك { وَقِهِمُ السيئات } قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات ، فإن قيل فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله { وَقِهِمُ السيئات } وبين ما تقدم من قوله { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز ، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول: أن يكون قوله { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } دعاء مذكور للأصول وقوله { وَقِهِمُ السيئات } دعاءً مذكورًا للفروع الثاني: أن يكون قوله { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } مقصورًا على إزالة الجحيم وقوله { وَقِهِمُ السيئات } يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت