فهرس الكتاب

الصفحة 6316 من 8321

والقول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ { لّمَنِ الملك اليوم } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة { لِلَّهِ الواحد القهار } فالمؤمنون يقولون تلذذًا بهذا الكلام ، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة ، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا ، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ، وأقول أيضًا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ، ولا يبعد أيضًا أن يكون السائل جمعًا من الملائكة والمجيب جمعًا آخرين ، الكل ممكن وليس على التعيين دليل ، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟

فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة ، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر Bه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، وفي يوم القيامة زالت الأسباب ، وانعزلت الأرباب ، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب ، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة ، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدًا ، وذلك لأن قولنا: الله اسم لواجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبدًا ، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدًا قهارًا ، فإذا كان كونه قهارًا باقيًا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء { لّمَنِ الملك اليوم } باقيًا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد .

الصفة الخامسة: من صفات ذلك اليوم قوله { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } .

واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال: { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } وفيه مسألتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت