المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب ، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين ، وقد سبق تقرير هذه الأصول مرارًا ، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه ، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه . وأما الثاني: وهو بيان ترتب الجزاء عليه ، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا ، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة ، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات ، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء ، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء ، فهذا هو معنى الكسب ، ومعنى كون ذلك الكسب موجبًا للجزاء ، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة ، فهذا قانون كلي عقلي ، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال ، والله أعلم .
المسألة الثانية: هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه ، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعًا لكان إما أن يكون مشروعًا لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه مشروعًا ، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعًا ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة ، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص ، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعًا للجزاء لقوله تعالى: { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة: 185 ] ولقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج: 78 ] ولقوله A: « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية ، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصًا خاصًا يدل على الشرعية قضينا به تقديمًا للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة ، والله علم .