فهرس الكتاب

الصفحة 6330 من 8321

والنوع الثاني: من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى: { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لّلْعِبَادِ } يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلًا ، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة ههنا ، فوجب حصول الحكم ههنا ، قالت المعتزلة: { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لّلْعِبَادِ } يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضًا ، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالمًا ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضًا أنه قادر على الظلم ، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم ، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مرارًا في هذا الكتاب مع الجواب ، فلا فائدة في الإعادة .

النوع الثالث: من كلمات هذا المؤمن قوله { وياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: التنادي تفاعل من النداء ، يقال تنادى القوم ، أي نادى بعضهم بعضًا ، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل ، وذكرنا ذلك في { يَوْمَ التلاق } [ غافر: 15 ] وأجمع المفسرون على أن { يَوْمَ التناد } يوم القيامة ، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة ، وأهل الجنة ينادون أهل النار ، كما ذكر الله عنهم في سورة الأعراف { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [ الاعراف: 50 ] ، { وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار } [ الاعراف: 44 ] ، الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } [ الإسرار: 71 ] ، الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضًا بالويل والبثور فيقولون { يا ويلنا } [ الأنبياء: 14 ] ، الرابع: ينادون إلى المحشر ، أي يدعون الخامس: ينادي المؤمن { هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه } [ الحاقة: 19 ] والكافر { ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه } [ الحاقة: 25 ] ، السادس: ينادى باللعنة على الظالمين السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحًا على فرحهم ، وأهل النار حزنًا على حزنهم الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي مشتق من التناد ، من قولهم ند فلان إذا هرب ، وهو قراءة ابن عباس وفسرها ، فقال يندون كما تند الإبل ، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: { يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ } [ عبس: 34 ] الآية . وقوله تعالى بعد هذه الآية { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين ، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفًا ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت