{ اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة: 6 ] وقوله { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } [ فصلت: 30 ] وقوله تعالى: { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه } [ الأنعام: 153 ] وفي قوله تعالى: { فاستقيموا إِلَيْهِ } وجهان الأول: فاستقيموا متوجهين إليه الثاني: أن يكون قوله { فاستقيموا إِلَيْهِ } معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض .
واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما: الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار ، فلهذا السبب قال: { واستغفروه } فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما لا ينبغي؟ قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال A: « وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة » ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال: { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون } وفي هذه الآية مسائل:
المسألة الأولى: وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول: أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفًا بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحدًا وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفًا بصفات ثلاثة أولها: أن يكون مشركًا وهو ضد التوحيد . وإليه الإشارة بقوله { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } وثانيها: كونه ممتنعًا من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله { الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } وثالثها: كونه منكرًا للقيامة مستغرقًا في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله { وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون } وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: الأمس واليوم والغد . أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم . وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم الله عليه بالويل ، فقال: { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون } وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم الوجه الثاني: في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله { لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من قوله تعالى: