{ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 36 ] وقوله { شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله } يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله ، ثم قال: { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل } أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم { وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقرأ بعضهم ، وأن بفتح الهمزة في أن عطفًا له على كلمة الفصل يعني { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل } وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله { تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ } خائفين خوفًا شديدًا { مِمَّا كَسَبُواْ } من السيئات { وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو ، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات } لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات ، وهي البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم قال: { لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله ، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات .
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق .
ثم قال: { ذَلِكَ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } قال صاحب «الكشاف» قرىء يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره .
واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات ، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء ، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: { لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } وقوله { لَهُم مَّا يَشَاءُونَ } يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهالثالث: أنه تعالى قال: { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: { الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ } وذلك يدل أيضًا على غاية العظمة ، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها .