واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد A هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف ، ورتب على الطاعة الثواب ، وعلى المعصية العقاب ، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعًا عاجلًا ومطلوبًا حاضرًا ، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد A من هذا التبليغ المال والجاه فقال: { قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربى } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال:
الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية ، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله A كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ } على ما أدعوكم إليه { أَجْرًا إِلاَّ } أن تودوني لقرابتي منكم ، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني ، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي .
والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس Bهما قال إن النبي A لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم ، فنزل قوله تعلى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه .
القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح ، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب ، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب ، فإن قيل الآية مشكلة ، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: