فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 8321

السؤال الأول: أنه بعد أن يصير قردًا لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه؟ الجواب: لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنسانًا عاقلًا فاهمًا كان باقيًا إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة ، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية .

السؤال الثاني: أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله ، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا؟ الجواب: الكل جائز عقلًا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا .

المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الخاسىء الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ ، أي تباعد وانطرد صاغرًا فليس هذا الموضع من مواضعك ، قال الله تعالى: { يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك: 4 ] يحتمل صاغرًا ذليلًا ممنوعًا عن معاودة النظر لأنه تعالى قال: { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك: 3 ، 4 ] ، فكأنه قال: ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطورًا فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطورًا فيرتد إليك طرفك ذليلًا كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائبًا صاغرًا مطرودًا من حيث كان يقصده من أن يعاوده .

أما قوله: { فَجَعَلْنَاهَا } فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه . أحدها: قال الفراء: ( جعلناها ) يعني المسخة التي مسخوها ، وثانيها: قال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالًا . وثالثها: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالًا . رابعها: جعلنا هذه الأمة نكالًا لأن قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره ، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما النكال فقال القفال C: إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضًا نكل لما فيهما من المنع والحبس ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت