{ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا } [ المزمل: 12 ] وقال الله تعالى: { والله أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا } [ النساء: 84 ] والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه ، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة ، قال القاضي: اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر ، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالًا وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة ، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله: { فجعلناها نكالا } أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم .
أما قوله تعالى: { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } ففيه وجوه . أحدها: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين ، وثانيها: أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم ، وثالثها: المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده ، وهو قول الحسن .
أما قوله تعالى: { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } ففيه وجهان . أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم ، وإن لم ينزل عاجلًا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم . وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به ، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم . الثاني: أن يكون معنى قوله: { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } أن يعظ المتقون بعضهم بعضًا أي جعلناها نكالًا وليعظ به بعض المتقين بعضًا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها ، وهذا خاص لهم دون غير المتقين ، والله أعلم .