فهرس الكتاب

الصفحة 6437 من 8321

المسألة الثالثة: قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها ، وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى .

ثم قال تعالى: { ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّل } خفيفة والباقون بالتشديد ، ثم نقول { بِقَدَرٍ } بتقدير يقال قدره قدرًا وقدرًا { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم ، ولما بيّن تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال: { وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } قرأ نافع وابن عامر وعاصم { يُنَزّل } مشددة والباقون مخففة ، قال صاحب «الكشاف» : قرىء { قَنَطُواْ } بفتح النون وكسرها ، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم ، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر { وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب ، وعن عمر Bه أنه قيل له «اشتد القحط وقنط الناس فقال: إذن مطروا» أراد هذه الآية ، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة { وَهُوَ الولى الحميد } { الوالي } الذي يتولى عباده بإحسانه و { الحميد } المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة ، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال: { وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ } فنقول: أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم ، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟ قلنا فيه وجوه الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدًا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن: 22 ] الثاني: أن الدبيب هو الحركة ، والملائكة لهم حركة الثالث: لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعًا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض .

ثم قال تعالى: { وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ } قال صاحب «الكشاف» : إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي ، قال تعالى: { واليل إِذَا يغشى } [ الليل: 1 ] ومنه { إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ } والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة ، لا لعجز ولكن لمصلحة ، فلهذا قال: { وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ } يعني الجمع للحشر والمحاسبة ، وإنما قال: { على جَمْعِهِمْ } ولم يقل على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله { إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ } على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال: إن كلمة { إِذَا } تفيد ظرف الزمان ، وكلمة { يَشَاء } صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله { إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ } على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب: أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة الله ، فقد دخلتا أيضًا على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادرًا صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلًا ، فكذا القول فيما ذكره ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت