ثم قال تعالى: { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر { بِمَا كَسَبَتْ } بغير فاء ، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة: ما معنى الشرطية .
المسألة الثانية: المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأول: قوله تعالى: { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ غافر: 17 ] بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة: 4 ] أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة والثاني: أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا قال A: « خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل » الثالث: أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ودار الجزاء معًا ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة ، فقد تمسكوا أيضًا بما روي عن النبي A أن قال: « لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ » هذا معناه وتمسكوا أيضًا بهذه الآية ، وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات } [ النساء: 160 ] وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى بعد هذه الآية { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } [ الشورى: 34 ] وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل ، والله أعلم .