المرتبة الثانية: أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بد له أيضًا من معجزة .
المرتبة الثالثة: أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة ، فلا بد له أيضًا من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات .
البحث الثالث: أنه لا شك أن ملكًا من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء ، فذلك الملك هو جبريل ، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر ، فالكل محتمل ولو بألف واسطة ، ولو يوجد ، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه .
البحث الرابع: هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة ، بدليل قوله تعالى: { فاستمع لِمَا يُوحَى } [ طه: 13 ] وقيل إن محمدًا A سمعه أيضًا لقوله تعالى: { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم: 10 ] .
البحث الخامس: أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة ، فبتقدير أن يراه الرسول A في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة ، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت ، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد .
المسألة السابعة: دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحيًا من الله تعالى إلى إبليس أم لا ، الأظهر منعه ، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل .
المسألة الثامنة: قرأ نافع { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا } برفع اللام ، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير ، وهو يرسل فيوحي ، والباقون بالنصب على تأويل المصدر ، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا إو إسماعًا لكلامه من وراء حجاب أو يرسل ، لكن فيه إشكال لأن قوله وحيًا أو إسماعًا اسم وقوله { أَوْ يُرْسِلَ } فعل ، وعطف الفعل على الاسم قبيح ، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحيًا أو يسمع إسماعًا من وراء حجاب أو يرسل رسولًا .
المسألة التاسعة: الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول ، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي ، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } [ الحج: 52 ] وقالوا الشيطان ألقى في أثناء سورة النجم ، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، وكان صديقنا الملك سام بن محمد C ، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة ، باطل من وجهين آخرين الأول: أن النبي A قال: