فهرس الكتاب

الصفحة 6455 من 8321

« من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي » فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول ، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى؟ والثاني: أن النبي A قال: « ما سلك عمر فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر » فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد ، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى؟ .

المسألة العاشرة: قوله تعالى: { فيوحي بإذنه ما يشاء } يعني فويحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله ، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه ، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص ، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص ، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله { مَا يَشَاء } والله أعلم .

ثم قال تعالى في آخر الآية { إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة ، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام ، وأخرى بإسماع الكلام ، وثالثًا بتوسيط الملائكة الكرام ، ولما بيّن الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } والمراد به القرآن وسماه روحًا ، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر .

ثم قال تعالى: { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر ، وذكروا في الجواب وجوهًا الأول: { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب } أي القرآن { وَلاَ الإيمان } أي الصلاة ، لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة: 143 ] أي صلاتكم الثاني: أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان ، يعني من الذي يؤمن ، ومن الذي لا يؤمن الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلًا في المهد الرابع: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به ، وإنه قبل النبوّة ما كان عارفًا بجميع تكاليف الله تعالى ، بل إنه كان عارفًا بالله تعالى ، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوّة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت