ثم قال تعالى: { ولكن جعلناه نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } واختلفوا في الضمير في قوله { ولكن جعلناه } منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معًا ، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة: 11 ] .
ثم قال: { نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدىً كما قال: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد A { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله { نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله { نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله { نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } أمرًا مغايرًا لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار ، ولا يجوز أيضًا أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنّة لأنه تعالى قال: { ولكن جعلناه نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } أي جعلنا القرآن نورًا نهدي به من نشاء ، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا ، وأيضًا فالهداية إلى الجنّة عندكم في حق البعض واجب ، وفي حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله { مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه .
ثم قال تعالى لمحمد A: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } فبيّن تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي ، وبيّن أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبيّن أن ذلك الصراط هو { صراط الله الذى لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } نبّه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض ، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله .
ثم قال: { أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } وذلك كالوعيد والزجر ، فبيّن أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى ، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلًا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
قال Bه: تمّ تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة ، يا مدبر الأمور ، ويا مدهر الدهور ويا معطي كل خير وسرور ، ويا دافع البلايا والشرور ، أوصلنا إلى منازل النور ، في ظلمات القبور ، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين