المسألة الثانية: كلمة لعلّ للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالمًا بعواقب الأمور ، فكان المراد منها هاهنا: كي أي أنزلناه قرآنًا عربيًا لكي تعقلوا معناه ، وتحيطوا بفحواه ، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لأجل أن تحيطوا بمعناه ، وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة ، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض ، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور ، وأجوبتنا عنه مشهورة ، فلا فائدة في الإعادة ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافًا لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول .
ثم قال تعالى: { وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي { أُمِّ الكتاب } بكسر الألف والباقون بالضم .
المسألة الثانية: الضمير في قوله { وَإِنَّهُ } عائد إلى الكتاب الذي تقدم ذكره في { أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا } واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين: فالقول الأول: إنه اللوح المحفوظ لقوله { بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [ البروج: 22 ] .
واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة ههنا كلها صفات اللوح المحفوظ .
الصفة الأولى: أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ ، ثم نقل إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل حالًا بحسب المصلحة ، عن ابن عباس Bه: « إن أول ما خلق الله القلم ، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق » فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علاّم الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان؟ قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب ، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه .
الصفة الثانية: من صفات اللوح المحفوظ قوله { لَدَيْنَا } هكذا ذكره ابن عباس ، وإنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتابًا جامعًا لأحوال جميع المحدثات ، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته ، فلا جرم حصل له هذا التشريف ، قال الواحدي ، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب .
الصفة الثالثة: كونه عليًا والمعنى كونه عاليًا عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عاليًا على جميع الكتب بسبب كونه معجزًا باقيًا على وجه الدهر .
الصفة الرابعة: كونه حكيمًا أي محكمًا في أبواب البلاغة والفصاحة ، وقيل حكيم أي ذو حكمة بالغة ، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ذكرناه والقول الثاني: في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى: