فهرس الكتاب

الصفحة 6497 من 8321

وأما قوله { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه ، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملًا في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى .

ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال: { وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما: أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير ، والمعنى أن الملائكة وعيسى وعزيرًا لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، روي أن النصر بن الحرث ونفرًا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقًا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد ، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال: { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق } والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف ، وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام ، فيقول شفعت فلانًا بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله ، وقوله { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق } الملائكة وعيسى وعزير ، والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق ، وهم الملائكة وعيسى وعزير فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة ، ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله .

ثم قال تعالى: { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة ، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة ، فقالوا بيّن الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك ، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل ، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة .

ثم قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم ، قال الجبائي وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره ، وقوم إبراهيم قالوا { وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } [ إبراهيم: 9 ] فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله ، والدليل على قولنا قوله تعالى: { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا } [ النمل: 14 ] وقال موسى لفرعون { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت