[ الإسراء: 102 ] فالقراءة بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفًا بالله ، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا { وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة .
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي آخرها ، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع ، بل هي جمادات محضة .
وأما قوله { فأنى تُؤْفَكُونَ } معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام ، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم بقوله { فأنى تُؤْفَكُونَ } وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو في الطريق يقال له أين يذهب بك ، والمراد أين تذهب ، وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهبًا آخر ذهب به ، فصرف الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر ، وأيضًا فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية في قلبه ، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى .
ثم قال تعالى: { وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } وفيه مباحث:
الأول: قرأ الأكثرون { وَقِيلِهِ } بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام ، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع ، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فيه قولين أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي A فانتصب قيله بإضمار قال والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله { أم يحسبون أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم . . . وَقِيلِهِ } [ الزخرف: 80 ] وذكر الزجاج فيه وجهًا ثالثًا: فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } معناه أنه علم الساعة ، والتقدير علم الساعة ، وقيله ، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمرًا ، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة ، أي عنده علم الساعة ، وعلم قيله يا رب ، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح ، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول: أن يكون { وَقِيلِهِ } مبتدأ وخبره ما بعده والثاني: أن يكون معطوفًا على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله ، قال صاحب «الكشاف» : هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضًا ، ثم ذكر وجهًا آخر وزعم أنه أقوى مما سبق ، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ، يكون قوله { إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي ، وأقول هذا الذي ذكره صاحب «الكشاف» متكلف أيضًا وههنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر ، والتقدير واذكر قيله يا رب ، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب ، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئًا جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره ، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله { وَقِيلِهِ يارب } المراد وقيل يا رب والهاء زيادة .