البحث الثاني: القيل مصدر كالقول ، ومنه قول النبي A: « نهى عن قيل وقال » قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال ، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه .
البحث الثالث: الضمير في قيله لرسول الله A .
البحث الرابع: أن النبي A لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: { رَّبِّ إِنَّهُمْ عصونيا واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا } [ نوح: 21 ] .
ثم إنه تعالى قال له: { فاصفح عَنْهُمْ } فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض .
ثم قال: { وَقُلْ سلام } قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه { سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [ مريم: 47 ] وكقوله { سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين } [ القصص: 55 ] .
قوله { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } والمقصود منه التهديد . وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون .
المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم . والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر .
المسألة الثالثة: قال ابن عباس قوله تعالى: { فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام } منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضًا فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ ، والله أعلم بالصواب .
قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان: تمّ تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمدلله أولًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا ، والصلاة على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصًا على محمد A وآله وصحبه أجمعين أبد الآبدين ودهر الداهرين .