فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 8321

أما قوله تعالى: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } فاعلم أن وقوع ذلك القتل لا بد وأن يكون متقدمًا لأمره تعالى بالذبح . أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لا بد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدمًا على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفسًا من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة ، وذلك مستقيم . فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم ، ولكن النظم الآخر كان مستحسنًا فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع .

أما قوله تعالى: { فادرأتم فِيهَا } ففيه وجوه . أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا أي يدافعه ويزاحمه . وثانيها: «أدارأتم» ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره . وثالثها: دفع بعضكم بعضًا عن البراءة والتهمة ، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع . فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه ، قال القفال: والكناية في ( فيها ) للنفس ، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: { قُتِلْتُمْ } يدل على المصدر .

أما قوله تعالى: { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل . فإن قيل: كيف أعمل «مخرج» وهو في معنى المضي؟ قلنا: قد حكى ما كان مستقبلًا في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: { باسط ذِرَاعَيْهِ } [ الكهف: 18 ] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما «ادارأتم ، فقلنا» ثم فيه مسائل:

المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سببًا للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت