فهرس الكتاب

الصفحة 6534 من 8321

ثم قال تعالى: { وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة ، فالذي قالوه يحتمل وضده أيضًا يحتمل ، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقًا ، وأن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقًا ، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل ، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموة به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة ، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبيّنة قول باطل فاسد ، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى .

ثم قال تعالى: { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بينات مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صادقين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره .

المسألة الثانية: سمى قولهم حجة لوجوه الأول: أنه في زعمهم حجة الثاني: أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس لهم ألبتة حجة كقوله:

تحية بينهم ضرب وجيع ... ( أي ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية ) الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها .

المسألة الثالثة: أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لو صح ذلك فائتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث .

واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جدًا ، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول ، فإن حصول كل واحد منا كان معدومًا من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه ، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك ، وذلك باطل بالاتفاق .

ثم قال تعالى: { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } فهذا القائل كان منكرًا لوجود الإله ولوجود يوم القيامة ، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } وهل هذا إلا إثبات للشيء بنفسه وهو باطل ، قلنا إنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم في القرآن مرارًا وأطوارًا . فقوله ها هنا { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ } إشارة إلى تلك الدلائل التي بيّنها وأوضحها مرارًا ، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله بقول الإله ، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر .

ولما ثبت أن الإحياء من الله تعالى ، وثبت أن الإعادا مثل الإحياء الأول ، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ، ثبت أنه تعالى قادر على الإعادة ، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها ، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت