"يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا"قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف .
المسألة الثالثة: هذه الآية دلّت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع ، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه ، وأما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى: { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } [ البقرة: 233 ] والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكامًا كثيرة في الفقه ، وأيضًا فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة ، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصونًا عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه ، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب ، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة ، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها .
وروى الواحدي في «البسيط» عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا ، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا ، والصحيح ما قدمناه .
ثم قال تعالى: { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والِدَيَّ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلف المفسرون في تفسير الأشد ، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة ، واحتج الفراء عليه بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر ، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله ، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله ، ومثله قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ }