المسألة الثالثة: قال: { كَمَنْ هُوَ خالد } حملًا على اللفظ الواحد وقال: { وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا } على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل { كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } [ محمد: 14 ] على التوحيد والإفراد { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } على الجمع فما الوجه فيه؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلًا فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع ، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولًا ، لأن اللفظ لا يبقى في السمع ، والمعنى يبقى في ذهن السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى ، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع { مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا } [ سبأ: 37 ] و { فَمَن تَابَ . . . وَأَصْلَحَ } [ المائدة: 39 ] ؟ نقول إذا كان المعطوف مفردًا أو شبيهًا بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال: كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله { سُقُواْ مَاء } جملة غير مشابهة لقوله { هُوَ خالد } وقوله تعالى: { وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا } بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن ، ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله { على بَيّنَةٍ } في مقابلة { زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } و { مّن رَّبّهِ } في مقابلة قوله { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } والجنة في مقابلة النار في قوله { خالد فِى النار } والماء الحميم في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ } فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها ، كأنه قال: للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد .