فهرس الكتاب

الصفحة 6596 من 8321

{ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا } [ الرعد: 35 ] حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وههنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها { وِظِلُّهَا } ولم يقل ههنا ذلك ، نقول قال ههنا { وَمَغْفِرَةٌ } والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك ، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير ، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد .

المسألة الثالثة: المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة؟ فنقول الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ، بل يكون عطفًا على قوله ( لهم ) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني: هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب ، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ، فقال: { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ } لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره: يا معلم غفر الله لك ، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل ، وأما في الدنيا ، فلأن للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم .

ثم قال تعالى: { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } وفيه أيضًا مسائل:

المسألة الأولى: على قول من قال: { مَّثَلُ الجنة } معناه وصف الجنة فقوله { كَمَنْ هُوَ } بماذا يتعلق؟ نقول قوله { لَّهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار ، فالمشبه يكون محذوفًا مدلولًا عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار .

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله تعالى: { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه ، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلًا عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف { كَمَنْ هُوَ خالد } على { كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } أو { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } ، وأما التعسف فبيّن نظرًا إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به ، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال: أفمن كان على بينة كمن هو خالد؟ وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك ، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضًا يصير مستقلًا في التشبيه ، اللّهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه ، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه ، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار ، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية ، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماءً حميمًا وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما ، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت