بخيل تضل البلق من حجراته ... ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر
وقول جرير:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني: جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع . وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى: { تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسرا: 44 ] ، وقوله تعالى: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات وَمَا فِى الأرض } [ النحل: 49 ] الآية ، وقوله تعالى: { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن: 6 ] . الوجه الثاني: في التأويل: أن قوله تعالى: { مّنْ خَشْيَةِ الله } أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة . وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط ، فكلمة «من» لابتداء الغاية فقوله: { مّنْ خَشْيَةِ الله } ، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب ، الوجه الثالث: ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفًا من الله تعالى لعباده ليزجرهم به . قال وقوله تعالى: { مّنْ خَشْيَةِ الله } أي خشية الله ، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال: نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس ، قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة ، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية .
أما قوله تعالى: { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم: 64 ] وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا . فإن قيل: هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ قلنا: قال القاضي: لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه ، بدليل قوله تعالى: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة: 255 ] { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام: 14 ] والله أعلم .