فهرس الكتاب

الصفحة 6627 من 8321

أما المسألة المعنوية: وهي أن الله تعالى لما قال: { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله { وَيُتِمَّ } وبقوله { وَيَهْدِيَكَ } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول: جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول: جاء زيد ، وقعد زيد اختصارًا للكلام بالاقتصار على الأول ، وههنا لم يقل وينصرك نصرًا ، بل أعاد لفظ الله ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة ، فقال تعالى: { بِنَصْرِ الله يَنصُرُ } [ الروم: 5 ] ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال: { هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } [ الأنفال: 62 ] ولم يقل بالنصر ، وقال: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح } [ النصر: 1 ] وقال: { نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } [ الصف: 13 ] ولم يقل نصر وفتح ، وقال: { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } [ الأنفال: 10 ] وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى: { واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله } [ النحل: 127 ] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما قال تعالى: { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد: 28 ] فلما قال ههنا وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكرًا للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وههنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال: { إِنَّا فَتَحْنَا } ثم قال: { لّيَغْفِرَ لَكَ الله } ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيمًا لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } [ الزمر: 53 ] وقال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصومًا ، وإتمام النعمة كذلك ، قال الله تعالى: { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } [ المائدة: 3 ] وقال: { يابني إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة: 47 ] وكذلك الهداية قال الله تعالى: { يَهْدِي مَن يَشَاء } [ القصص: 56 ] فعمم ، وكذلك النصر قال الله تعالى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات: 171 ، 172 ] وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي A ، فعظمه بقوله تعالى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا } وفيه التعظيم من وجهين أحدهما: إنا وثانيهما: لك أي لأجلك على وجه المنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت