فهرس الكتاب

الصفحة 6677 من 8321

{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء: 22 ] فكذلك ههنا لو قال لا يطيعكم ، وقال قائل لم لا يطيع لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاعكم لأجل مصلحتكم ، لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم ، كما قال تعالى: { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } [ التوبة: 128 ] فإن طاعتكم لا تفيده شيئًا فلا يطيعكم ، فهذا نفي الطاعة بالدليل وبين نفي الشيء بدليل ونفيه بغير دليل فرق عظيم .

المسألة الثالثة: قال { فِى كَثِيرٍ مّنَ الأمر } ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقًا لفائدة قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } [ آل عمران: 159 ] .

المسألة الرابعة: إذا كان المراد بقوله تعالى { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان } ، فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به؟ قلنا لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه ، إذ ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فإنه يتوقف إلى أن يبلغ درجة اليقين ، فلما كان عدم التوقف في اليقين معلومًا متفقًا عليه لم يقل فلا تتوقفوا بل قال حبب إليكم الإيمان ، أي بينه وزينه بالبرهان اليقيني .

المسألة الخامسة: ما المعنى في قوله { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } نقول قوله تعالى: { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ } أي قربه وأدخله في قلوبكم ثم زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم ، وهذا لأن من يحب أشياء فقد يمل شيئًا منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل يوم يزداد حسنًا ، ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم ، تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل ، ولهذا قال في الأول: { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ } وقال ثانيًا: { وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } كأنه قربه إليهم ثم أقامه في قلوبهم .

المسألة السادسة: ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق والعصيان؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان أحدها: قوله تعالى: { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر } وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب وثانيها: هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: { إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } [ الحجرات: 6 ] سمي من كذب فاسقًا فيكون الكذب فسوقًا ثالثها: ما ذكره بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى: { بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان } [ الحجرات: 11 ] فإنه يدل على أن الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم ، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ورابعها: وجه معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل: فسقت الرطبة إذا خرجت ، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون له ظهور بالأمر القلبي ، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى ، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطىء أو متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت