المسألة الخامسة: قال الجبائي: دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائمًا على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول: لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله: لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا: لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة؟ ثم إنا نبين شرعًا أن ذلك غير لازم من وجوه . أحدها: لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب ، فإن قولهم: { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ، يدل على أيام قليلة جدًا ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب . وثانيها: أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك . وثالثها: أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال: إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت: إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي: لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف . أما قوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهو بيان لتمام الحجة المذكورة ، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع ، كان الجزم بذلك التقدير قولًا على الله تعالى بما لا يكون معلومًا لا محالة ، وهذه الآية تدل على فوائد . أحدها: أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل . وثانيها: أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلًا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي . وثالثها: أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية . قالوا: لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم ، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزًا لقوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ذكر ذلك في معرض الإنكار . والجواب: أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلومًا ، فكان القول به قولًا بالمعلوم لا بغير المعلوم .