فهرس الكتاب

الصفحة 6925 من 8321

المسألة الثالثة: ما الفائدة في قوله تعالى: { وَكَمْ مّن مَّلَكٍ } بمعنى كثير من الملائكة مع أن كل من في السموات منهم لا يملك الشفاعة؟ نقول المقصود الرد عليهم في قولهم هذه الأصنام تشفع ، وذلك لا يحصل ببيان أن ملكًا من الملائكة لا تقبل شفاعته فاكتفى بذكر الكثيرة ، ولم يقل ما منهم أحد يملك الشفاعة لأنه أقرب إلى المنازعة فيه من قوله كثير مع أن المقصود حاصل به ، ثم ههنا بحث وهو أن في بعض الصور يستعمل صيغة العموم والمراد الكثير ، وفي البعض يستعمل الكثير والمراد الكل وكلاهما على طريقة واحد ، وهو استقلال الباقي وعدم الاعتداد ، ففي قوله تعالى: { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء } [ الأحقاف: 25 ] كأنه يجعل الخارج عن الحكم غير ملتفت إليه ، وفي قوله تعالى: { وَكَمْ مّن مَّلَكٍ } وقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ النحل: 75 ] وقوله { أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } [ سبأ: 41 ] يجعل المخرج غير ملتفت إليه فيجعل كأنه ما أخرجه كالأمر الخارج عن الحكم كأنه ما خرج ، وذلك يختلف بختلاف المقصود من الكلام ، فإن كان الكلام مذكورًا لأمر فيه يبالغ يستعمل الكل ، مثاله يقال للملك كل الناس يدعون لك إذا كان الغرض بيان كثرة الدعاء له لا غير ، وإن كان الكلام مذكورًا لأمر خارج عنه لا يبالغ فيه لأن المقصود غيره فلا يستعمل الكل ، مثاله إذا قال الملك لمن قال له اغتنم دعائي كثير من الناس يدعون لي ، إشارة إلى عدم احتياجه إلى دعائه لا لبيان كثرة الدعاء له ، فكذلك ههنا .

المسألة الرابعة: قال: { لاَ تُغْنِى شفاعتهم } ولم يقل لا يشفعون مع أن دعواهم أن هؤلاء شفعاؤنا لا أن شفاعتهم تنفع أو تغني وقال تعالى في مواضع أخرى { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 255 ] فنفى الشفاعة بدون الإذن وقال: { مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } [ السجدة: 4 ] نفى الشفيع وههنا نفى الإغناء؟ نقول هم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا وكانوا يعتقدون نفع شفاعتهم ، كما قال تعالى: { لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر: 3 ] ثم نقول نفي دعواهم يشتمل على فائدة عظيمة ، أما نفي دعواهم لأنهم قالوا الأصنام تشفع لنا شفاعة مقربة مغنية فقال: { لاَ تُغْنِى شفاعتهم } بدليل أن شفاعة الملائكة لا تغني ، وأما الفائدة فلأنه لما استثنى بقوله { إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله } أي فيشفع ولكن لا يكون فيه بيان أنها تقبل وتغني أو لا تقبل ، فإذا قال: { لاَ تُغْنِى شفاعتهم } ثم قال: { إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله } فيكون معناه تغني فيحصل البشارة ، لأنه تعالى قال: { الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت