المسألة الثالثة: إن قال قائل: الآية مذكورة لبيان أن وزر المسيء لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئًا ولو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت ، وذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا التي وزرت وحملت كما يقال: شقاني الحمل ، وإن لم يكن عليه في الحال حمل ، وإذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة .
وقوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعًا ومن لم يعمل صالحًا لا ينال خيرًا فيكمل بها ويظهر أن المسيء لا يجد بسبب حسنة الغير ثوابًا ولا يتحمل عنه أحد عقابًا ، وفيه أيضًا مسائل:
الأولى: { لَّيْسَ للإنسان } فيه وجهان أحدهما: أنه عام وهو الحق وقيل عليه بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت والدعاء أيضًا نافع فللإنسان شيء لم يسمع فيه ، وأيضًا قال الله تعالى: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [ الأنعام: 160 ] وهي فوق ما سعى ، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى ، وأما الزيادة فنقول: الله تعالى لما وعد المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجيًا أن يؤتيه الله ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال ، فإن قيل: أنتم إذن حملتم السعي على المبادرة إلى الشيء ، يقال: سعى في كذا إذا أسرع إليه ، والسعي في قوله تعالى: { إِلاَّ مَا سعى } معناه العمل يقال: سعى فلان أي عمل ، ولو كان كما ذكرتم لقال: إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعًا: لا بد من زيادة فإن قوله تعالى: { لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } ليس المراد منه أن له عين ما سعى ، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى ، أو إلا أجر ما سعى ، أو يقال: بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم القيامة الوجه الثاني: أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف ، وقيل بأن قوله: { لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } كان في شرع من تقدم ، ثم إن الله تعالى نسخه في شرع محمد A وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بان الحق ، وعلى ما ذكر فقوله: { مَا سعى } مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى: