فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 8321

المسألة الثانية: يقال: لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار؟ والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس: 22 ] . وثانيها: فيه حذف أي قلنا لهم قولوا . وثالثها: الميثاق لا يكون إلا كلامًا كأنه قيل: قلت لا تعبدوا وقولوا .

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المخاطب بقوله: { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } من هو؟ فيحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسنًا ويحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته: قولوا للناس حسنًا والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه .

المسألة الرابعة: منهم من قال: إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول: أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنًا ، والثاني: قوله تعالى: { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [ النساء: 148 ] فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخًا بآية القتال ، ومنهم من قال: إنه دخله التخصيص ، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان ، أحدهما: أن يكون التخصيص واقعًا بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسنًا . والثاني: أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسنًا في الدعاء إلى الله تعالى . وفي الأمر المعروف ، فعلى الوجه الأول: يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني: يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص ، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون ، وكذلك محمد A مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل: 125 ] وقال تعالى: { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام: 108 ] وقوله: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا } [ الفرقان: 72 ] وقوله: { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] أما الذي تمسكوا به أولًا من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، قلنا: أولًا لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى: { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ الأنعام: 108 ] سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولًا حسنًا بيانه: أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعًا في حقهم فكان ذلك اللعن قولًا حسنًا ونافعًا ، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسنًا ونافعًا من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ، سلمنا أن لعنهم ليس قولًا حسنًا ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن ، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقًا للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقًا للتحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا به ثانيًا وهو قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت