فهرس الكتاب

الصفحة 7051 من 8321

ثم قال تعالى: { خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما: ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ * فِي كتاب مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } [ الواقعة: 77 79 ] ثم قال تعالى: { تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين } [ الواقعة: 80 ] إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه ، وعلى هذا ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أمورًا علوية وأمورًا سفلية ، وكل علوي قابله بسفلي ، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات ، فقال: { عَلَّمَ القرءان } إشارة إلى تعليم العلويين ، وقال: { عَلَّمَهُ البيان } إشارة إلى تعليم السفليين ، وقال: { الشمس والقمر } [ الرحمن: 5 ] في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات: { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن: 6 ] .

ثم قال تعالى: { والسماء رَفَعَهَا } [ الرحمن: 7 ] وفي مقابلتها: { والأرض وَضَعَهَا } [ الرحمن: 10 ] ، وثانيهما: أن تقديم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعامًا ، ثم بين كيفية تعليم القرآن ، فقال: { خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان } وهو كقول القائل: علمت فلانًا الأدب حملته عليه ، وأنفقت عليه مالي ، فقوله: حملته وأنفقت بيان لما تقدم ، وإنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم .

المسألة الثانية: ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق ، حيث قال هناك: { اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ } [ العلق: 1 ] ثم قال: { وَرَبُّكَ الأكرم الذي عَلَّمَ بالقلم } [ العلق: 3 ، 4 ] فقدم الخلق على التعليم؟ نقول: في تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة بقوله: { عَلَّمَهُ البيان } بعد قوله: { خَلَقَ الإنسان } .

المسألة الثالثة: ما المراد من الإنسان؟ نقول: هو الجنس ، وقيل: المراد محمد A ، وقيل: المراد آدم والأول أصح نظرًا إلى اللفظ في { خُلِقَ } ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء .

المسألة الرابعة: ما البيان وكيف تعليمه؟ نقول: من المفسرين من قال: البيان المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده ، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره عن الحيوانات ، وقوله: { خَلَقَ الإنسان } إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص ، و { عَلَّمَهُ البيان } إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره . وقد خرج ما ذكرنا أولًا أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ماذكره إجمالًا بقوله تعالى: { عَلَّمَ القرءان } كما قلنا في المثال حيث يقول القائل: علمت فلانًا الأدب حملته عليه ، وعلى هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر ، وإطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير ، قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت