« يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء » ويحتمل أن يقال: هو عائد إلى يوم و { كُلَّ يَوْمٍ } ظرف سؤالهم أي يقع سؤالهم في كل يوم وهو في شأن يكون جملة وصف بها يوم وهو نكرة كما يقال: يسألني فلان كل يوم هو يوم راحتي أي يسألني أيام الراحة ، وقوله: { هُوَ فِي شَأْنٍ } يكون صفة مميزة للأيام التي فيها شأن عن اليوم الذي قال تعالى فيه: { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر: 16 ] فإنه تعالى في ذلك اليوم يكون هو السائل وهو المجيب ، ولا يسأل في ذلك اليوم لأنه ليس يومًا هو في شأن يتعلق بالسائلين من الناس والملائكة وغيرهم ، وإنما يسألونه في يوم هو في شأن يتعلق بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو يستخرجون أمره بما يفعلون فيه ، فإن قيل: فهذا ينافي ما ورد في الخبر ، نقول: لا منافاة لقوله عليه السلام في جواب من قال: ما هذا الشأن؟ فقال: « يغفر ذنبًا ( ويفرج كربًا ) » أي فالله تعالى جعل بعض الأيام موسومة بوسم يتعلق بالخلق من مغفرة الذنوب والتفريج عن المكروب فقال تعالى: { يَسْأَلُهُ مَن فِي السموات والأرض } في تلك الأيام التي في ذلك الشأن وجعل بعضها موسومة بأن لا داعي فيها ولا سائل ، وكيف لا نقول بهذا ، ولو تركنا كل يوم على عمومه لكان كل يوم فيه فعل وأمر وشأن فيفضي ذلك إلى القول بالقدم والدوام ، اللهم إلا أن يقال: عام دخله التخصيص كقوله تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء } [ النمل: 23 ] و { تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء } [ الأحقاف: 25 ] .
المسألة الثالثة: فعلى المشهور يكون الله تعالى في كل يوم ووقت في شأن ، وقد جف القلم بما هو كائن ، نقول: فيه أجوبة منقولة في غاية الحسن فلا نبخل بها وأجوبة معقولة نذكرها بعدها: أما المنقولة فقال بعضهم: المراد سوق المقادير إلى المواقيت ، ومعناه أن القلم جف بما يكون في كل ( يوم و ) وقت ، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد ، وهذا وجه حسن لفظًا ومعنى وقال بعضهم: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ، وهو مثل الأول معنى ، أي لا يتغير حكمه بأنه سيكون ولكن يأتي وقت قدر الله فيه فعله فيبدو فيه ما قدره الله ، وهذان القولان ينسبان إلى الحسن بن الفضل أجاب بهما عبد الله بن طاهر وقال بعضهم: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويشفي سقيمًا ويمرض سليمًا ، ويعز ذليلًا ويذل عزيزًا ، إلى غير ذلك وهو مأخوذ من قوله عليه السلام: « يغفر ذنبًا ويفرج كربًا » وهو أحسن وأبلغ حيث بين أمرين أحدهما يتعلق بالآخرة والآخر بالدنيا ، وقدم الأخروي على الدنيوي وأما المعقولة: فهي أن نقول هذا بالنسبة إلى الخلق ، ومن يسأله من أهل السموات والأرض لأنه تعالى حكم بما أراد وقضى وأبرم فيه حكمه وأمضى ، غير أن ما حكمه يظهر كل يوم ، فنقول: أبرم الله اليوم رزق فلان ولم يرزقه أمس ، ولا يمكن أن يحيط علم خلقه بما أحاط به علمه ، فتسأله الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا في هذا اليوم في أي شأن في نظرنا وعلمنا الثاني: هو أن الفعل يتحقق بأمرين من جانب الفاعل بأمر خاص ، ومن جانب المفعول في بعض الأمور ، ولا يمكن غيره وعلى وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة مثال الأول: تحريك الساكن لا يمكن إلا بإزالة السكون عنه والإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل ومثال الثاني: تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء السكون فيه ومع إزالته عقيبه من غير فصل أو مع فصل ، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا يحركه مع بقاء الجسم ، إذا عرفت هذا فالله تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد وخلق فيها صفات مختلفة في غير ذلك الزمان ، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان فمن خلقه فقيرًا في زمان لم يمكن خلقه غنيًا في عين ذلك الزمان مع خلقه فقيرًا فيه وهذا ظاهر ، والذي يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل العجز في خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيرًا في زمان يريد كونه غنيًا لما وقع الغنى فيه مع أنه أراده ، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا: لا فيما قلنا ، فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } وهو المراد من قول المفسرين: أغنى فقيرًا وأفقر غنيًا ، وأعز ذليلًا وأذل عزيزًا ، إلى غير ذلك من الأضداد .