{ سَلاَمٌ قَوْلًا } [ يس: 58 ] .
المسألة السادسة: { سلام } ، فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه صفة وصف الله تعالى بها { قِيلًا } كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال: رجل عدل ، وقوم صوم ، ومعناه إلا قيلا سالمًا عن العيوب ، وثانيها: هو مصدر تقديره ، إلا أن يقولوا سلامًا وثالثها: هو بدل من { قِيلًا } ، تقديره: إلا سلامًا .
المسألة السابعة: تكرير السلام هل فيه فائدة؟ نقول: فيه إشارة إلى تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر: السلام عليك ، فيقول الآخر: وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون: { سلاما سلاما } ثم إنه تعالى لما قال: { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] لم يكن له رد لأن تسليم الله على عبده مؤمن له ، فأما الله تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن: سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
المسألة الثامنة: ما الفرق بين قوله تعالى: { سلاما سلاما } بنصبهما ، وبين قوله تعالى: { قَالُواْ سلاما قَالَ سلام } [ هود: 69 ] قلنا: قد ذكرنا هناك أن قوله: ( سلام عليك ) أتم وأبلغ من قولهم سلامًا عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيرًا .
المسألة التاسعة: إذا كان قول القائل: ( سلام عليك ) أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة صارت بالنصب ، ومن قرأ ( سلام ) ليس مثل الذي قرأ بالنصب ، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب ، فالنصب بقوله: { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } وأما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل ، وقولهم: { سلام } أبعد من اللغو من قولهم: { سَلاَمًا } فقال: { إِلاَّ قِيلًا سلاما } ليكون أقرب إلى اللغو من غيره ، وإن كان في نفسه بعيدًا عنه .