فهرس الكتاب

الصفحة 7184 من 8321

المسألة الثانية: إن قيل قوله: { لَّوْ تَعْلَمُونَ } هل له مفعول أم لا؟ قلنا: على الوجه الأول لا مفعول له ، كما في قولهم: فلان يعطي ويمنع ، وكأنه قال: لا علم لكم ، ويحتمل أن يقال: لا علم لكم بعظم القسم ، فيكون له مفعول ، والأول أبلغ وأدخل في الحسن ، لأنهم لا يعلمون شيئًا أصلًا لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة ، فهو كقوله: { صُمٌّ بُكْمٌ } [ البقرة: 18 ] وقوله: { كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الأعراف: 179 ] وعلى الثاني أيضًا يحتمل وجهين أحدهما: لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه وثانيهما: لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه .

المسألة الثالثة: كيف تعلق قوله تعالى: { لَّوْ تَعْلَمُونَ } بما قبله وما بعده؟ فنقول: هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم ، فإن قيل: فما فائدة الاعتراض؟ نقول: الاهتمام بقطع اعتراض المعترض ، لأنه لما قال: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } أراد أن يصفه بالعظمة بقوله: عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم ، وكانوا يقولون: لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم وظن ، فقال: لو تعلمون لحصل لكم القطع ، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا ، وذلك لأنا قلنا: إن قوله: { لاَ أُقْسِمُ } معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين ، والكفار كانوا يقولون: أين الظهور ونحن نقطع بعدمه ، فقال: لو تعلمون شيئًا لما كان كذلك ، والأظهر منه أنا بينا أن كل ما جعله الله قسمًا فهو في نفسه دليل على المطلوب وأخرجه مخرج القسم ، فقوله: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } معناه عند التحقيق ، وإنه دليل وبرهان قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله ، وهو التوحيد والقدرة على الحشر ، وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه ، وأما المعنوية:

فالمسألة الأولى: ما المقسم عليه؟ نقول: فيه وجهان الأول: القرآن كانوا يجعلونه تارة شعرًا وأخرى سحرًا وغير ذلك وثانيهما: هو التوحيد والحشر وهو أظهر ، وقوله: { لقرآن } ابتداء كلام وسنبين ذلك .

المسألة الثانية: ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } فنقول: لما قال: { فَلاَ أُقْسِمُ } وكان معناه: لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به عليه . قال: لست تاركًا للقسم بهذا ، لأنه ليس بقسم أو ليس بقسم عظيم ، بل هو قسم عظيم ولا أقسم به ، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر وعلمي بحقيقته .

المسألة الثالثة: اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة ، والعظم يقال: في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام ، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة . وأما في حق الله D فبالعظيم وذلك هو المناسب ، لأن معناه هو الذي قرب قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى العظيم فيه ذلك ، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة وملأ أماكن كثيرة من العظم ، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة ، وملأ صدورًا كثيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت