فهرس الكتاب

الصفحة 7183 من 8321

{ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ } [ فصلت: 53 ] وهذا كقوله تعالى: { وَفِي الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [ الذاريات: 20 ، 21 ] { وَفِي السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات: 22 ] حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال تعالى: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى: { فَلاَ أُقْسِمُ } فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال: ضربته قويًا ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية:

فالمسألة الأولى: هو أن يقال: جواب { لَّوْ تَعْلَمُونَ } ماذا ، وربما يقول بعض من لا يعلم: إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع ، لأن جواب الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها ، فلا يقال: زيدًا إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني ، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال: قائمًا ضربت زيد ، أو ضربًا شديدًا ضربته ، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني ، إذا ثبت هذا فنقول: عمل حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة ، فإذا قلت: من ، وأن ، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدمًا ومتأخرًا ، وعمل الأفعال عمل معنوي ، وعمل الحروف عمل مشبه بالمعنى ، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى } [ يوسف: 24 ] قال بعض الوعاظ متعلق بلولا ، فلا يكون الهم وقع منه ، وهو باطل لما ذكرنا ، وهنا أدخل في البطلان ، لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر ، فإن من قال: لو تعلمون إن زيدًا لقائم ، لم يأت بالعربية ، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب ، وإنما يراد نفي ما دخلت عليه لو ، وكأنه قال: وإنه لقسم لا تعلمون ، وتحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره ، فلا بد من انتفاء الأول ، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف ، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم ، وهو كقولهم في الفعل المتعدي فلان يعطى ويمنع ، حيث لا يقصد به مفعول ، وإنما يراد إثبات القدرة ، وعلى هذا إن قيل: فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة ، وترك قوله: إنه لقسم ولا تعلمون؟ فنقول: فائدته تأكيد النفي ، لأن من قال: لو تعلمون كان ذلك دعوى منه ، فإذا طولب وقيل: لم قلت إنا لا نعلم يقول: لو تعلمون لفعلتم كذا ، فإذا قال في ابتداء الأمر: لا تعلمون كان مريدًا للنفي ، فكأنه قال: أقول: إنكم لا تعلمون قولًا من غير تعلق بدليل وسبب وثانيهما: أن يكون له جواب تقديره: لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه ، فعلم أنكم لا تعلمون ، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم ، ولا تعظيم فلا تعلمون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت