المسألة التاسعة: قوله: { إِلاَّ المطهرون } هم الملائكة طهرهم الله في أول أمرهم وأبقاهم كذلك طول عمرهم ولو كان المراد نفي الحدث لقال: لا يمسه إلا المطهرون أو المطهرون ، بتشديد الطاء والهاء ، والقراءة المشهورة الصحيحة { المطهرون } من التطهير لا من الإطهار ، وعلى هذا يتأيد ما ذكرنا من وجه آخر ، وذلك من حيث إن بعضهم كان يقول: هو من السماء ينزل به الجن ويلقيه عليه كما كانوا يقولون في حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون: النبي A كاهن ، فقال: لا يمسه الجن وإنما يمسه المطهرون الذين طهروا عن الخبث ، ولا يكونون محلًا للإفساد والسفك ، فلا يفسدون ولا يسفكون ، وغيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه ، فيكون هذا ردًا على القائلين: بكونه مفتريًا ، وبكونه شاعرًا ، وبكونه مجنونًا بمس الجن ، وبكونه كاهنًا ، وكل ذلك قولهم والكل رد عليهم بما ذكر الله تعالى ههنا من أوصاف كتاب الله العزيز .
المسألة العاشرة: قوله: { تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين } مصدر ، والقرآن الذي في كتاب ليس تنزيلًا إنما هو منزل كما قال تعالى: { نَزَلَ بِهِ الروح الامين } [ الشعراء: 193 ] نقول: ذكر المصدر وإرادة المفعول كثير كما قلنا في قوله تعالى: { هذا خَلْقُ الله } [ لقمان: 11 ] فإن قيل: ما فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز في هذا الموضع؟ فنقول: التنزيل والمنزل كلاهما مفعولان ولهما تعلق بالفاعل ، لكن تعلق الفاعل بالمصدر أكثر ، وتعلق المفعول عبارة عن الوصف القائم به ، فنقول: هذا في الكلام ، فإن كلام الله أيضًا وصف قائم بالله عندنا ، وإنما نقول: من حيث الصيغة واللفظ ولك أن تنظر في مثال آخر ليتيسر لك الأمر من غير غلط وخطأ في الاعتقاد ، فنقول: في القدرة والمقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ من تعلق المقدور ، فإن القدرة في القادر والمقدور ليس فيه ، فإذا قال: هذا قدرة الله تعالى كان له من العظمة مالا يكون في قوله: هذا مقدور الله ، لأن عظمة الشيء بعظمة الله ، فإذا جعلت الشيء قائمًا بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم ، وإذا ذكرته بلفظ يقال مثله فيما لا يقوم بالله وهو المفعول به كان دونه ، فقال: { تَنزِيلَ } ولم يقل: منزل ، ثم إن ههنا: بلاغة أخرى وهي أن المفعول قد يذكر ويراد به المصدر على ضد ما ذكرنا ، كما في قوله: