المسألة الرابعة: جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام ، وأنفق وجاهد مع الرسول A قبل الفتح ، وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول E بالنفس ، وإنفاق المال في تلك الحال ، وفي عدد المسلمين قلة ، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح ، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويًا ، والكفر ضعيفًا ، ويدل عليه قوله تعالى: { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار } [ التوبة: 100 ] وقوله E: « لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه »
ثم قال تعالى: { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أي وكل واحد من الفريقين { وَعَدَ الله بالحسنى } أي المثوبة الحسنى ، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات .
المسألة الثانية: القراءة المشهورة { وَكُلاًّ } بالنصب ، لأنه بمنزلة: زيدًا وعدت خيرًا ، فهو مفعول وعد ، وقرأ ابن عامر: ( وكل ) بالرفع ، وحجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه ، والدليل عليه أنهم قالوا: زيد ضربت ، وكقوله في الشعر:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبًا كله لم أصنع
روي ( كله ) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر ، واعلم أن للشيخ عبد القاهر في هذا الباب كلامًا حسنًا ، قال: إن المعنى في هذا البيت يتفاوت بسبب النصب والرفع ، وذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب ، وهذا لا ينافي كونه فاعلًا لبعض الذنوب ، فإنه إذا قال: ما فعلت كل الذنوب ، أفاد أنه ما فعل الكل ، ويبقى احتمال أنه فعل البعض ، بل عند من يقول: بأن دليل الخطاب حجة يكون ذلك اعترافًا بأنه فعل بعض الذنوب . أما رواية الرفع ، وهي قوله: كله لم أصنع ، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع ، فيكون معناه أنه ماأتى بشيء من الذنوب ألبتة ، وغرض الشاعر أن يدعي البراءة عن جميع الذنوب ، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع والنصب ، ومما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر: 49 ] فمن قرأ ( كل ) شيء بالنصب ، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر ، ومن قرأ ( كل ) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق الكل ، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقًا له فهو إنما خلقه بقدر ، وقد يكون تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله: