فهرس الكتاب

الصفحة 7236 من 8321

{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [ الأعراف: 50 ] أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب: أن قوله: { كُلُّ شَيْء هَالِكٌ } عام ، وقوله: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } مع قوله: { أُكُلُهَا دَائِمٌ } خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأما قوله ثانيًا: الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا: إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما قال عليه السلام في صفة الجنة: « سقفها عرش الرحمن » وأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه ، أليس أن العرش أعظم المخلوقات ، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة .

المسألة الثانية: قوله: { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } فيه أعظم رجاء وأقوى أمل ، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله؛ ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر ، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات بحكم تصرف الشرع ، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء ، فإنه باق على مفهومه الأصلي وهو التصديق ، فالآية حجة عليهم ، ومما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية: { ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } يعني أن الجنة فضل لا معاملة ، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى ، فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة ، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟ قلنا: نقطع بحصول الجنة لهم ، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم ، لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد ، فقد كانت الجنة معدة لهم ، فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله ، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت: خص من العموم ، فيبقى العموم حجة فيما عداه .

ثم قال تعالى: { ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل ، وهذا أيضًا قول الكعبي من المعتزلة ، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية ، أجاب القاضي عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلًا من الله تعالى ، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال ، وإنما قلنا: إنه لا منافاة بين هذين الوصفين ، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق ، فلما كان تعالى متفضلًا بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلًا بها ، قال: ولما ثبت أن قوله: { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } لا بد وأن يكون مشروطًا بما يستحقه ، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل: { سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } معنى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت