فهرس الكتاب

الصفحة 7291 من 8321

قوله تعالى: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين } فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو علي: قرأ أبو عمرو وحده: { يُخْرِبُونَ } مشددة ، وقرأ الباقون: { يُخْرِبُونَ } خفيفة ، وكان أبو عمرو يقول: الإخراب أن يترك الشيء خرابًا والتخريب الهدم ، وبنو النضير خربوا وما أخربوا قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهًا ، ويخربون هو الأصل خرب المنزل ، فإنما هو تكثير ، لأنه ذكر بيوتًا تصلح للقليل والكثير ، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام ، فيجري كل واحد مجرى الآخر ، نحو فرحته وأفرحته ، وحسنه الله وأحسنه ، وقال الأعمش:

وأخربت من أرض قوم ديارًا ... وقال الفراء: { يُخْرِبُونَ } بالتشديد يهدمون ، وبالتخفيف يخربون منها ويتركونها .

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وجوهًا أحدها: أنهم لما أيقنوا بالجلاء ، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم ومنازلهم ، فجعلوا يخربونها من داخل ، والمسلمون من خارج وثانيها: قال مقاتل: إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا ، ودربوا على الأزقة وحصنوها ، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على أبواب الأزقة ، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب وثالثها: أن المسلمين إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه ، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم ، وينقبونها من أدبارها ورابعها: أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد ، واليهود لما أيقنوا بالجلاء ، وكانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم ، وينزعونها ويحملونها على الإبل ، فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟ قلنا قال الزجاج: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم .

قوله تعالى: { فاعتبروا ياأولي الأبصار } .

اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب «المحصول من أصول الفقه» على أن القياس حجة فلا نذكره ههنا ، إلا أنه لا بد ههنا من بيان الوجه الذي أمر الله فيه بالاعتبار ، وفيه احتمالات أحدها: أنهم اعتمدوا على حصونهم ، وعلى قوتهم وشوكتهم ، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم ، ثم قال: { فاعتبروا ياأولي الأبصار } ولا تعتمدوا على شيء غير الله ، فليس للزاهد أن يتعمد على زهده ، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام ، وليس للعالم أن يعتمد على علمه ، أنظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار ، بل لا اعتماد لأحد في شيء إلا على فضل الله ورحمته وثانيها: قال القاضي: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة ، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر ، والكفر في البلاء والجلاء ، والمؤمنين أيضًا يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي .

فإن قيل: هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا: إنهم غدروا وكفروا فعذبوا ، وكان السبب في ذلك العذاب هو الكفر والغدر ، إلا أن هذا القول فاسد طردًا وعكسًا أما الطرد فلأنه رب شخص غدر وكفر ، وما عذب في الدنيا وأما العكس فلأن أمثال هذه المحن ، بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام ولأصحابه ، ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم ، وإذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا الاعتبار ، وأيضًا فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين } وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم في كل من غدر وكفر أن يخرب بيته بيده وبأيدي المسلمين ، ومعلوم أن هذا لا يصلح ، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح والجواب: أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث مراتب أولها: كونه تخريبًا للبيت بأيديهم وأيدي المؤمنين وثانيها: وهو أعم من الأول ، كونه عذابًا في الدنيا وثالثها: وهو أعم من الثاني ، كونه مطلق العذاب ، والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب ، فأما خصوص كونه تخريبًا أو قتلًا في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر ، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة ، والغدر والكفر يناسبان العذاب ، فعلمنا أن الكفر والغدر هما السببان في العذاب ، فأينما حصلا حصل العذاب من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة ، ومتى قررنا القياس والاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن والنقوض وتم القياس على الوجه الصحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت