السؤال الأول: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو ، وذلك محال على الله تعالى؟ والجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به ، وذلك محال على الله تعالى ، بل المراد منه أحد وجهين ، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله: { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة: 33 ] وكقوله: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب: 57 ] لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه ، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة ، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم ، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة ، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم .
السؤال الثاني: لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟ الجواب لوجهين ، الأول: أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسًا آخر سوى جنس الملائكة ، الثاني: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما ، فلا جرم نص على اسميهما ، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل ، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه ، أحدها: أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر ، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفًا فوجب أن يكون مستقبحًا شرعًا لقوله عليه السلام: « ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن » ، وثانيها: أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح ، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان ، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل ، وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: { مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير: 21 ] ذكره يوصف المطاع على الإطلاق ، وظاهره يقتضي كونه مطاعًا بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه .
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار ، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل ، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل ، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل ، وميكئيل كميكعيل ، قال ابن جنّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه .
المسألة الثالثة: الواو في جبريل وميكال ، قيل: واو العطف ، وقيل: بمعنى أو يعني من كان عدوًا لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين .
المسألة الرابعة: { عَدُوٌّ للكافرين } أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر .