أما قوله تعالى: { بِإِذُنِ الله } فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه . أولها؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن . وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم . وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة .
أما قوله تعالى: { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب ، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد A . فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقًا لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها؟ قلنا: الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع .
أما قوله تعالى: { وهدى } فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين . أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى . وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدمًا على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } . والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به .
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: { مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ } فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى: { مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد ، وجب أن يكون عدوًا لله تعالى ، بين في هذه الآية أن من كان عدوًا لله كان عدوًا له ، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم ، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر ، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه ، وههنا سؤالات: