« إن من البيان لسحرًا » فسمى النبي A بعض البيان سحرًا لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء عنه سحرًا؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر؟ قلنا: إنما سماه سحرًا لوجهين ، الأول: أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا الوجه سمي سحرًا ، لا من الوجه الذي ظننت . الثاني: أن المقتدر على البيان يكون قادرًا على تحسين ما يكون قبيحًا وتقبيح ما يكون حسنًا فذلك يشبه السحر من هذا الوجه .
المسألة الثالثة: في أقسام السحر: اعلم أن السحر على أقسام . الأول: سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلًا لمقالتهم ورادًا عليهم في مذهبهم . أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم ، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها . أولها: وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز ، فلو كان غير الله فاعلًا للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزًا ، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادرًا بالقدرة ، إذ لو كان قادرًا لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة ، ويدل عليه وجهان . الأول: أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء ، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها ، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة ، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادرًا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة . الثاني: أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضًا ، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض ، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضًا ، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة . وثانيها: أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى ، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر ، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه . وثالثها: أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب ، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلًا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد ، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء ، لأنا نقول: لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبًا لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال ، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة ، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك ، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز ، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول ، قال القاضي: فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلًا لشيء من ذلك . واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جدًا . أما الوجه الأول: فنقول: ما الدليل على أن كل ما سوى الله ، إما أن يكون متحيزًا ، وإما قائمًا بالمتحيز ، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة ، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فما الدليل على فساد القول بهذا؟ فإن قالوا: لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلًا لله تعالى ، قلنا: لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟ قوله: الأجسام متماثلة . فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك ، قلنا: ما الدليل على تماثل الأجسام ، فإن قالوا: إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات ، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى ، قلنا: الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم ، سلمنا أنه يجب أن يكون قادرًا بالقدرة ، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟ قوله: لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك ، فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة ، قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل ، سلمنا أنه أمر وجودي ، ولكن من مذهبهم أن كثيرًا من الأحكام لا يعلل ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، سلمنا أنه معلل ، فلم قلتم: إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة ، أليس أن القبح حصل في الظلم معللًا بكونه ظلمًا وفي الكذب بكونه كذبًا ، وفي الجهل بكونه جهلًا؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة ، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة ، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف ، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك؟ وأما الوجه الأول: وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض ، فنقول: هذا ضعيف ، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر ، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر . ونظير ما ذكروه أن يقال: ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض ، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفًا للبياض أن يمتنع رؤيته .