فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 8321

أما قوله تعالى: { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وتعليم ما لا يكون كفرًا لا يوجب الكفر ، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر ، وعلى أن السحر أيضًا كفر ، ولمن منع ذلك أن يقول: لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر ، فإن قيل: هذا مشكل لأن الله تعالى أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان الناس السحر ، فلو كان تعليم السحر كفرًا لزم تكفير الملكين ، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون وأيضًا فلأنكم قد دللتم على أنه ليس كل ما يسمى سحرًا فهو كفر . قلنا: اللفظ المشترك لا يكون عامًا في جميع مسمياته ، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر ، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات ، فهذا السحر كفر ، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام .

وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع من السحر ، بل لعلهم يعلمان سائر الأنواع على ما قال تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } وأيضًا فبتقدير أن يقال: إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا النوع إنما يكون كفرًا إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيته وكونه صوابًا ، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفرًا ، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزًا عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما: { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } وأما الشياطين الذين علموا الناس السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق .

المسألة الثامنة: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد «لكن» و «الشياطين» بالنصب على أنه اسم «لكن» والباقون «لكن» بالتخفيف و «الشياطين» بالرفع والمعنى واحد ، وكذلك في الأنفال: { ولكن الله رمى } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت