{ ولكن الله قَتَلَهُمْ } [ الأنفال: 17 ] والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن ، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن ، والوجه فيه أن «لكن» بالتخفيف يكون عطفًا فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام ، والمشددة لا تكون عطفًا لأنها تعمل عمل «إن» .
أما قوله تعالى: { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هاروت وماروت } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: «ما» في قوله: { وَمَا أَنَزلَ } فيه وجهان . الأول: أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال . الأول: أنه عطف على ( السحر ) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضًا . وثانيها: أنه عطف على قوله: { مَا تَتْلُواْ الشياطين } أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين ، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما ، وثالثها: أن موضعه جر عطفًا على ( ملك سليمان ) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار أبي مسلم C ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلًا عليهما واحتج عليه بوجوه . الأول: أن السحر لو كان نازلًا عليهما لكان منزله هو الله تعالى ، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك ، الثاني: أن قوله: { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } يدل على أن تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، وذلك باطل . الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى ، الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } [ يونس: 81 ] ثم إنه C سلك في تفسير الآية نهجًا آخر يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال: كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه ، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر ، وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير ، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما: { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } توكيدًا لبعثهم على القبول والتمسك ، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم . الوجه الثاني: أن يكون «ما» بمعنى الجحد ويكون معطوفًا على قوله تعالى: { وَمَا كَفَرَ سليمان } كأنه قال: لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، فرد الله عليهم في القولين قوله: { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } جحد أيضًا أي لا يعلمان أحدًا بل ينهيان عنه أشد النهي .