فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 8321

أما قوله تعالى: { حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي ابتلاء وامتحان فلا تكفر وهو كقولك ما أمرت فلانًا بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا ، أي ما أمرت به بل حذرته عنه .

وأعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها ، وذلك لأن عطف قوله: { وَمَا أَنَزلَ } على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل ، أما قوله: لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى . قلنا: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر:

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... قوله ثانيًا: إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى: { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } ، فالجواب: أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق . قوله ثالثًا: إنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليم السحر فكذا الملائكة . قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله . قوله رابعًا: إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله تعالى ما ينهى عنه؟ قلنا: فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهيًا عنه؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورًا به .

المسألة الثانية: قرأ الحسن: ( ملكين ) بكسر اللام وهو مروي عن الضحاك وابن عباس ثم اختلفوا ، فقال الحسن: كانا علجين أقلفين ببابل يعلمان الناس السحر ، وقيل: كانا رجلين صالحين من الملوك . والقراءة المشهورة بفتح اللام وهما كانا ملكين نزلا من السماء ، وهاروت وماروت اسمان لهما ، وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وقيل غيرهما: أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه ، أحدها: أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر ، وثانيها: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } [ الأنعام: 8 ] ، وثالثها: لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك ، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلًا وتلبيسًا على الناس وهو غير جائز ، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانًا ، بل ملكًا من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت