المسألة الخامسة: «هاروت وماروت» عطف بيان للملكين ، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا ، وقرأ الزهري: هاروت وماروت بالرفع على: هما هاروت وماروت .
أما قوله تعالى: { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال: وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما: { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم: فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب ، وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحدًا السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة ، فيقولا له: «إنما نحن فتنة» أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز ، ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة .
أما قوله تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين . الأول: أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرًا ، وإذا صار كافرًا بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، الثاني: أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة .
المسألة الثانية: أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر ، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهًا على سائر الصور ، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة ، فنبه الله تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى .
أما قوله تعالى: { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ } فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر ، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه ، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه .
أما قوله تعالى: { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم ، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه ، أحدها: قال الحسن: المراد منه التخلية ، يعني السحر إذا سحر إنسانًا فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر ، وثانيها: قال الأصم: المراد إلا بعلم الله وإنما سمي الأذان أذانًا لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذنًا لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن ، وكذلك قوله تعالى: