فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 8321

{ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج } [ التوبة: 3 ] أي إعلام ، وقوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله } [ البقرة: 279 ] معناه: فاعلموا وقوله: { آذنتكم على سَوَاء } [ الأنبياء: 109 ] يعني أعلمتكم ، وثالثها: أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل: 40 ] . ورابعها: أن يكون المراد بالإذن الأمر وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرًا والكفر يقتضي التفريق ، فإن هذا حكم شرعي ، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى .

أما قوله تعالى: { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِى الأخرة مِنْ خلاق } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه ، أحدها: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله ، وثانيها؛ أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا . وثالثها: أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال .

المسألة الثانية: قال الأكثرون: «الخلاق» النصيب ، قال القفال: يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم ، ومنه يقال: قدر للرجل كذا درهمًا رزقًا على عمل كذا . وقال آخرون: الخلاق الخلاص ومنه قول أمية بن أبي الصلت:

يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم ... إلا سرابيل قطران وأغلال

بقي في الآية سؤال: وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } ثم نفاه عنهم في قوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } والجواب من وجوه ، أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم: { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون ، وهذا جواب الأخفش وقطرب . وثانيها: لو سلمنا كون القوم واحدًا ولكنهم علموا شيئًا وجهلوا شيئًا آخر ، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة ، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها . وثالثها: لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار: { عُميًا وبُكمًا وصُمًّا } [ الإسراء: 97 ] إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس . ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه: صنعت ولم تصنع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت