{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَاء الله } [ الأعلى: 6 ] وبقوله: { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ الكهف: 24 ] .
القول الثاني: ما ننسخ من آية أي نبدلها ، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما ، أما قوله تعالى: { أَوْ نُنسِهَا } فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله .
القول الثالث: ما ننسخ من آية ، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ ، أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة .
القول الرابع: ما ننسخ من آية ، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معًا ، أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة ، بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال بالقول الثاني: ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها ، نؤخرها . وأما قراءة «ننسها» فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها .
وأما قوله: { مّنْ ءايَةٍ } فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه .
أما قوله تعالى: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ففيه قولان . أحدهما: أنه الأخف ، والثاني: أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه . فإن قيل: لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به؟ قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال السؤال . واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ:
المسألة الأولى: قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله ، وذلك صريح في وجوب البدل . والجواب: لم لا يجوز أن يقال: المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول A لا إلى البدل .
المسألة الثانية: قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ينافي كونه أثقل ، لأن الأثقل لا يكون خيرًا منه ولا مثله . والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثوابًا في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر . إذا عرفت هذا فنقول: أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها . وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة .