أما في هذه الساعة ( فقد ) صاروا منقادين مطيعين في مثل هذا التكليف الذي هو أشق من كل شيء ، تنبيهًا على أنهم لو تركوا الخصومة في الدنيا لما احتاجوا في هذا الوقت إلى هذا الانقياد الشاق ، والحاصل أن قوله: { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } متقيد بهذا الوقت في هذا العمل ، وتقييد المطلق بسبب مقدمة الكلام مشهور في العرف ، بدليل أن المرأة إذا قالت: أخرج هذه الساعة من الدار ، فقال الزوج: لو خرجت فأنت طالق ، فإنه يتقيد هذا المطلق بتلك الخرجة ، فكذا ههنا .
السؤال الثاني: قوله: { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } يوهم أن لهم عذرًا وقد منعوا من ذكره ، وهذا لا يليق بالحكيم والجواب: أنه ليس لهم في الحقيقة عذر ولكن ربما تخيلوا خيالًا فاسدًا أن لهم فيه عذرًا ، فهم لا يؤذن لهم في ذلك ذكر العذر الفاسد ، ولعل ذلك العذر الفاسد هو أن يقول: لما كان الكل بقضائك وعلمك ومشيئتك وخلقك فلم تعذبني عليه ، فإن هذا عذر فاسد إذ ليس لأحد أن يمنع المالك عن التصرف في ملكه كيف شاء وأراد ، فإن قيل: أليس أنه قال: { رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء: 165 ] وقال: { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا } [ طه: 134 ] والمقصود من كل ذلك أن لا يبقى في قلبه ، أن له عذرًا ، فهب أن عذره في موقف القيامة فاسد فلم لا يؤذن له في ذكره حتى يذكره ، ثم يبين له فساده؟ قلنا: لما تقدم الأعذار والإنذار في الدنيا بدليل قوله: { فالملقيات ذِكْرًا ، عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } [ المرسلات: 6 ] كان إعادتها غير مفيدة .
السؤال الثالث: لم لم يقل: ولا يؤذن لهم فيعتذرون؟ كما قال: { لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } [ فاطر: 36 ] الجواب: الفاء ههنا للنسق فقط ، ولا يفيد كونه جزاء ألبتة ومثله { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } [ البقرة: 245 ] بالرفع والنصب ، وإنما رفع يعتذرون بالعطف لأنه لو نصب لكان ذلك يوهم أنهم ما يعتذرون لأنهم لم يؤذنوا في الاعتذار ، وذلك يوهم أن لهم فيه عذرًا منعوا عن ذكره وهو غير جائز .