وأما قوله: { فالمدبرات أَمْرًا } فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة ، وذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي وسكان بقاع السموات ، ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم ، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة العاملة التي لهم ، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من كلامه .
واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة ، وقال: واحد النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث ، وقد نزه الله تعالى الملائكة عن التأنيث ، وعاب قول الكفار حيث قال: { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف: 19 ] .
واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا ، لأن المراد الأشياء ذوات النزع ، وهذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث .
الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات: أنها هي النجوم وهو قول الحسن البصري ووصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوهًا: أحدها: كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض ، فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع ، فيصح أن يقال: إنها نازعة على قياس اللابن والتامر وثانيها: أن النازعات من قولهم نزع إليه أي ذهب نزوعًا ، هكذا قاله الواحدي: فكأنها تطلع وتغرب بالنزع والسوق والثالث: أن يكون ذلك من قولهم: نزعت الخيل إذا جرت ، فمعنى: { والنازعات } أي والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله: { غَرْقًا } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى في ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة ، فإن قيل: إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة ، فما معنى وصفها بذلك قلنا: هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى: { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء: 33 ] فإن الجمع بالواو والنون يكون للعقلاء ، ثم إنه ذكر في الكواكب على سبيل التشبيه والثاني: أن يكون معنى غرقها غيبوبتها في أفق الغرب ، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقًا إشارة إلى غروبها أي تنزع ، ثم تغرق إغراقًا ، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين .
أما قوله: { والناشطات نَشْطًا } فقال صاحب «الكشاف» : معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد . وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله: { والنازعات غَرْقًا } إشارة إلى حركتها اليومية { والناشطات نَشْطًا } إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة ، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية ، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية ، بل ملائمة لذواتها ، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط ، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار .